الأربعاء، 11 أبريل، 2012


نون و القلم... و ما يسطرون
"الروبيضة" أو"سياسة المهرجين"...الموضة في عالم السياسيين !!!
يحكى أن أعمى كان جالسا على قارعة الطريق يسأل المارة بقوله : متاع الله لله ، واللي أعطى شي في سبيل الله ، الله يرحم الوالدين ، يمر أحدهم بالقرب منه فيشفق لحاله ويمد يده إلى جيبه ويخرج / بسيطة / اسبانية ، ولعلها تساوي درهما عندنا ، فيناولها إياه قائلا : خذ أيها المسكين هذه بسيطة/صرفها لأعطيك منها 2 بليون المساوية عندنا لنصف درهم . أخذ الأعمى البسيطة ووضعها في جيبه وتابع سؤاله: أمتاع الله لله ، واللي أعطى شي في سبيل الله ..هذا والرجل ينتظر الصرف قائلا: ألشريف أرد لي الصرف .يجيب الفقير بصوت لا يخلو من مكر: أي صــرف ؟ ماذا تقول ؟ هل قالوا لك أنني كنصرف البساسط ؟ أبعاد عليا أهاد الرجل ياك ما شفتني بصير أو باغي تتعدى عليا ، يردد ذلك وهو يلوح بعصاه : أبعاد مني.. إمتاع الله لله، واللي أعطانا شي في سبيل الله. أســـرها الرجل في نفسه وظل قريبا منه حتى المساء، حيث تبع الأعمى إلى منزله، وهنا ليتأكد من خلو المكان بقوله:" ألشريف.. آهيا .. أعاوني نفتح الباب ، الله يرحم الوالدين"..كل ذلك والرجل لا يكاد يتنفس ، وما أن تأكد الأعمى من خلو المكان من الرقباء حتى فتح الباب بخفة ، في حين تسلل الرجل أولا إلى داخل الدار واختلى في زاوية منها يراقب ما يحدث .... دخل الأعمى وأحكم إغلاق الباب ، فاحضر لوازم إعداد الطعام وما تيسر من اللحم والخضر فوضع الكل على نار بمجمــــار عتيق ، وبينما الطويجن يقرقر إذا بالأعمى يردد في سخرية : هيه .. حتى هذا كلام ..قرقار لو أطويجنو قال : صرفلو البسيطة ..واش عودو لو أنا صرارفي ؟ وما أن نضج الطعام وأنزل الطويجـــن على الأرض ليبرد قليلا حتى سارع إلى صندوق عتيق وأخرج منه أكياسا من النقــود الذهبية والفضية والنحاسية إلى جانب الحلي والحلل ، فتزين وتجمــــــل وتـعطر فأخذ يحاكي كبير ملوك الأرض وهو ينادي على كل واحد باسمه ليوزع عليه مساعدته السخية قائلا : أين ملك مصر ؟ خذ هذا الكيس فيه كذا قطعة ذهبية لتطعم بها شعبك السنة كلها ، وأنت يا ملك الهند خذ هذا الصندوق به ألف قطعة فضية للتغلب على الأزمة المالية ، وهكــــذا ...مع باقي الملوك والأمراء ، ولما انتهى تناول عشاءه بشهيـــة دون أن ينسى ما حدث له مع الرجل ، وبعد أن رد المال واللباس إلى مكانه ، وقبل أن يخلد إلى النوم أخد عصاه وشرع يلوح به يمنة ويسرة للتأكد من خلو المكان من الغرباء ، كل ذلك والرجل ينتقل من هذا الركن إلى ذاك متلافيا وقوع العصا على ظهره ، فنام الاثنان حتى الصباح الباكر وعندها استيقظ الرجل أولا وأخرج من الصندوق ما يقدر على حمله من المال في غفلة من الأعمى عند خروجه من داره.
وبعد عودة الأخير إلى بيته فوجئ بسرقة المال فجن جنونـــــه ، وما أن أخــــذ مكانه بالطريق صباح الغد وهو في حالة يــــرثى لها حتى اقترب الرجل منه قائلا : قرقار لو اطويجنو صرف لو البسيطة ..يقاطعـــــــه الأعمى وهو يهم بالقيام والتوجه نحو مصدر الصوت ملوحا بعصاه : السارق شبرو السارق .. وما أن حضر الناس للاستفسار عما حـــــدث حتى كان الرجل قد اختفى ، ولما هداة الأمور توجه الرجل نحو الأعمى ثانية يردد نفس العبارة : قرقار لو أطويجنو صرف لو البسيطا ، فتثور ثائرة الأعمى من جديد فيقول : ها هو .. ها هو السارق .. شدو السارق .. وما أن يحضر الناس حتى يختفي الرجل من جديد .. وهكذا إلى أن حكم الجميع على الأعمى بالجنون ، فنقل إلى مستشفى المجانين جــراء طمعه في البسيط
ة.
الحكاية تعبر عن ما  يظهر لنا في حالنا الآني من خلال الأزمة التي عصفت بالأوطان سياسيا واقتصاديا ودينيا وأخلاقيا سيما ما ارتبط بسلوكات بعض الشخصيات السياسية أكثر الذين  امتهنوا أسلوب المهرجين في إيصال رؤيتهم للغوغاء من الشباب الذي سقط في مستنقع المؤامرة المسماة (ربيع عربي)..فحشروا لهذا الأمر شباب لديهم القدرة في الانحلال التام من كل قيم دينية وفكرية ومجتمعية وأخلاقية والتحول من إنسان قال عنه الله عز و جل {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ }(التين4) إلى إنسان مسخ في الفكر ومسخ في الأخلاق ومسخ في العادات المجتمعية فتحول إلى بهيمة بصورة إنسان همه الأكبر إضحاك الغوغاء وجعلهم يرقصون على سخافات أفكاره وأعماله من خلال الاستهزاء بالغير والاستنقاص منهم ومن إنسانيتهم وآدميتهم خدمة لمن يعطيه ما يقتاد ويأكل و يأكل من هذا المال المكتسب أبناءه ومن يعول .. و وجدناهم خرجوا من جحورهم وبكثرة كون التمايل في الحركات وتغيير الأصوات في الكلام ما بين تضخيم وترقيق وإظهار حركات ماجنة غريبة لا تدل على أنه إنسان عوضا عن كونه رجل ,,, فلا تجد هذا المهرج في الساحة إلا وتجد الأطفال والنساء والشباب يحتشدون حوله منتظرين يسمعون منه كلمة أو يصدر صوت أو يعمل حركة تضحكهم ويصفقوا لها ... ولأن المهرج يعتبر أدنى سلم الأعمال على مر التاريخ كونه كما أسلفت سابقا فيه الكثير من الاختلاس من الرجولة والأنفة والشخصية الآدمية لإضحاك الأسياد فالمهرج يظل في الأول والأخير إنسان مستنقص من الآخرين كونه من بدأ في استنقاص ذاته ونفسه وسمح لها لتصل إلى هذه المرحلة حتى لو أُعطي الكثير من المال لأن أمثاله لهم دور محدد قبل أن يتم رميهم إلى زبالة الأحداث  فالدور المنشود له والذي ينبثق من إحدى بنود أكاديمية التغيير التي تنص على ( جذب الجماهير الغوغائية من خلال أحداث وفعاليات تكسر الجمود وتعكس مظاهر الفرح والسرور في وسط المتظاهرين لاجتثاث أي محاولة للتسرب من التجمهر في الساحات وأهمها هذه الفعاليات المضحكة ).
 عندما تجد أن مثل هؤلاء المهرجين أصبحوا قادة السياسة في وطن ما وأصبحوا الموجهين للآخرين في هذا الجانب من خلال أفكار طفولية مضحكة مبتذلة وتجدهم يتكلمون في شئون العامة ويحللون حاضرهم ومستقبلهم وينظِّرون في هذه الأمور رغم أنهم ليسوا أكثر من أداه للتهريج والضحك والغوغائية فإنك تتيقن بما لا يدع مجال للشك بأن من يتبع هؤلاء ويفرح بمشاهدتهم بل يعد الدقائق والثواني منتظرا متى سيؤذن المؤذن التلفزيوني معلنا دخول فريضة المهرجين هؤلاء ,,, تجد هؤلاء مضللون عقليا وفكريا ومنهاجا بل أنهم يقتبسون من هذه التهاريج والضحكات ما يجعلون منه منهاجا حياتيا في مسيرتهم اليومية وحواراتهم السياسية وأفكارهم الاقتصادية حتى وصل الأمر للسخرية من العلماء وفي مسلسل هؤلاء ,,, فأي خير سنرجوه وأي نمو وتطور ورقي سيكون عندما يكون مثل هؤلاء الغوغاء من يقودون مسيرة التوعية والتثقيف ,,, وهنا يتجلى أمامي قول من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وآله وسلم من بعثه الله ليتمم لنا مكارم الأخلاق حيث وصف هؤلاء في الحديث النبوي الشريف:(( سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصَدق فيها الكاذب ويُكذَّب فيها الصادق، ويُؤتمن فيها الخائن ويُخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة,,,))، قيل وما الرويبضة يا رسول الله ؟ .. قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة"...وعندما تبحث في واقع فئة معينة فعليك أن تفتش في صباه و شبابه  وتعكسها على شخصيتهم وفكرهم واتجاههم ومنها تخمن حاضرهم ومستقبلهم ,,, ولأن الناظر لمثل هذه السخافات الطفولية التي لا تدل على أي نضوج سياسي (كونها تبحر في عالم السياسة) وتجدها من فينه إلى أخرى تنشر السموم الفكرية الهابطة المبتذلة لتجذب لها فئة من الناس الغوغائية التي وجدت فيها كتاب مقدس يتلى آناء الليل وأطراف النهار ,,,  ومنها نستنبط مدى السقوط الحياتي الديني الأخلاقي الذي وصلنا إليه خاصة منذ مطلع القرن الحالي قرن الفتن والمحن...
لا أدري حين أرى الحماسة التي يتكلم بها البعض في حياتنا السياسية  و لا أدري هل هم منافقون معلومي النفاق أم جهلة يعذرون بجهلهم أم في منزلة "بين- بين" فنحن في زمان يدع الحليم حيران... معتبرين أنفسهم أنهم بذلك يقدمون خدمة جليلة من خلال التضارب بالتصريحات و اتخاذ القرار و القرار المضاد، لنجد أنفسنا أمام موقف لا يعبر عن انسجام في احترام الميثاق الذي اجتمعوا عليه لقيادة ركب هذا المجتمع... وينسون أن حاجة الناس في هذا المجتمع إلى تجاوز الذل والقهر والمهانة وضياع الكرامة إذ يكفي إقرار إحداها فقط ليتحول الشخص لمشارك في إثمها فما بالك بإقرارها جميعاً بل وما بالك بالافتخار بالانتماء السياسي لها, ماذا يتبقى بعد ذلك للحديث..إن أي كلمة في السياسة بعد إقرار المعاني السابقة لا يعدو كونه هرطقة ليس إلا.
فلا عجب في أن تجد معظم أتباع هذا الاتجاه كغثاء السيل..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق