الأربعاء، 3 يونيو، 2009






نحو استقلالية الحقل الصحافي المغربي

أحمد القصوار
Tuesday, June 02, 2009
يعرف المشهد الصحافي المغربي حراكا كبيرا على أثر المحاكمات والغرامات والاعتقالات التعسفية التي مست عددا من الصحافيين و/أو الصحف اليومية والأسبوعية. وقد انطلقت عملية التغيير منذ البدايات الأولى لإعداد ما يسمى "بالانتقال الديمقراطي". وعلى الرغم من الانفتاح الإعلامي والسياسي الذي شهده المغرب قبيل وفاة المرحوم الحسن الثاني و انتقال الحكم إلى ملك شاب ليست له أية حسابات أو حزازات من الإعلام المغربي ، بدأت في السنوات الأخيرة تصدر إشارات وتلتقط "رسائل" سلبية اتجاه الصحافيين العاملين في الصحافة المكتوبة، فيما يبقى الإعلام التلفزيوني والإذاعي العمومي خاضعا للسلطة التنفيذية تدبيرا وسياسة وتوجها، مع إحداث الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري التي تحرص على احترام الضوابط الموضوعة ودفاتر التحملات الموقعة.
من ثمة، تطرح أسئلة استقلالية الحقل الصحافي المغربي:إلى متى يظل الصحافيون المغاربة لقمة سائغة في فم السلطة السياسية أو السلطة المالية؟ كيف يعقل أن الانفتاح السياسي لم يواكبه انفتاح إعلامي حقيقي يدفع باستقلالية الحقل الصحافي المغربي ؟.كيف نفسر الوقائع الأخيرة الحاصلة في المشهد الصحافي المغربي على مستوى المحاكمات والغرامات و الاعتداءات و الترهيبات.. التي تم "تدويلها" من خلال الدعوى القضائية التي رفعتها ليبيا ضد "الأحداث المغربية" و "المساء" و "الجريدة الأولى"..؟.هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها بإلحاح بعيد الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة(03 ماي) وصدور تقارير وطنية ودولية حول واقع تلك الحرية ببلادنا.
تاريخية الصراع مع السلطة
منذ دخول الطباعة /المطبعة إلى المغرب قبل عهد الحماية، وبعد صدور أولى الجرائد الوطنية خاصة في الشمال(1889)، صيغت المعالة الأساسية التي ستحكم تاريخ الحقل الصحافي: جدلية الصراع الدائم والمستمر مع السلطة السياسية الحاكمة. ذلك أن الحماية الفرنسية ضيقت الخناق على التجارب الجنينية للصحافة المغربية وفرضت رقابتها ورقيبها للتحكم في المعلومات المتداولة مخافة وصولها للمقاومين أو مساهمتها في صناعة رأي عام وطني يقوم ضد الاستعمار بالفعل لا بالقول. وبعد حصول المغرب على "الاستقلال" من فرنسا وعودة محمد الخامس إلى عرشه، ثم انتقال العرش إلى ابنه الحسن الثاني، بدأت معالم "الشقاق" السياسي بين القصر والحركة الوطنية يصل أثرها إلى الصحافة الحزبية آنذاك.
في هذا السياق، ظهرت إلى الوجود معادلة ثانية نلخصها في المقولة التالية: هيمنة الدولة على الإعلام السمعي البصري (الإذاعة الوطنية، ثم التلفزة سنة 1962) مقابل بسط الأحزاب الوطنية نفوذها وسيادتها على الصحافة المكتوبة. وقد استمر "العمل" بها مدة طويلة امتدت إلى بداية التسعينيات من القرن المنصرم، وكان هذا القانون الضابط للنسق الإعلامي انعكاسا أو ترجمة لضوابط النسق السياسي: سلطة تنفيذية حاكمة يبسط القصر/ المؤسسة الملكية نفوذه/ها عليها، ومعارضة حزبية منبثقة من الحركة الوطنية (الاستقلال و الاتحاد الاشتراكي بالدرجة الأولى، ثم حزب التقدم والاشتراكية ومنظمة العمل، وبعض الأحزاب والتيارات اليسارية ضعيفة التأثير شعبيا).
في ظل هاتين المعادلتين، تشكل الحقل الصحافي المغربي الذي عرف هيمنة الصحافيين الحزبيين/ المتحزبين العاملين في الصحف الناطقة بلسان الأحزاب التي كانت تشكل المعارضة الرسمية برلمانيا وشعبيا وإعلاميا. من هنا نتذكر النفوذ القوي لجرائد "العلم" و"التحرير" و"المحرر" و" أنوال"و.. L’opinion و"الاتحاد الاشتراكي". هذه الجريدة الأخيرة بلغت أوج مجدها إبان حرب الخليج الثانية ومحاكمة العميد ثابت في بداية التسعينيات. بالمقابل نسجل هامشية جريدة "الأنباء" التي كانت تصدرها وزارة الإعلام آنذاك، وكذا الوضع الاعتباري الهامشي لصحافيي الإذاعة التلفزة حيث كانوا (وما يزالون بدرجة أقل) موظفين يأتمرون بأوامر رؤسائهم المباشرين في العمل( بالمعنى الإداري لا الإعلامي المهني).
وأمام "انصهار" صحافيي السمعي البصري في قواعد عمل السلطة الحاكمة (وزارة الإعلام، الداخلية، التعليمات المباشرة من السلطات العليا: أمنية، سياسية)، "انصهر" صحافيو الإعلام المكتوب في قواعد عمل المعارضة الحزبية، وكانوا أداة إعلامية إيديولوجية في يديها مثلما كانت الإذاعة والتلفزة جهازا إيديولوجيا للسلطة السياسة الحاكمة.وعلى الصعيد المؤسساتي، تجسدت الهيمنة الحزبية من خلال المكاتب التنفيذية المسيرة للنقابة الوطنية للصحافة المغربية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي)، وهي الهيمنة المستمرة إلى حد الآن. وقد كان إنشاء فيدرالية الناشرين مؤشرا على الإرادة الداخلية في وضع قواعد جديدة و الخروج من العباءة الحزبية، حيث تلاحظ هيمنة الصحف المستقلة.
بناء على ما تقدم، يمكن التأكيد أن الصحافيين الحزبيين كانوا بمثابة "صحافيين عضويين" لا سبيل لفصل التزامهم السياسي الإيديولوجي عن عملهم المهني في "صحفهم الحزبية". كذلك شأن صحافيي الإذاعة والتلفزة الذين كانوا صحافيين موظفين يسري عليهم قانون الوظيفة العمومية، لا قانون الصحافة أو آدابها وأخلاقياتها وقواعدها المهنية.
الطريق إلى الاحترافية و الاستقلالية
في هذه الفترة، كانت الصحف المستقلة القليلة المؤثرة آنذاك(في السعينيات و الثمانينيات بالخصوص) تحظى بوضع هامشي على المستوى الرمزي و الاعتراف العام داخل الحقل الصحافي المغربي،حتى وان كان وما يزال للمستمر منها قراؤها الأوفياء ( أخبار السوق، الأسبوع الصحفي، كواليس..).غير أن إرادة المؤسسة الملكية في إعداد "الانتقال الديموقراطي" واقتناعها بضرورة إشراك المعارضة في الحكم، وبداية الحوار المثمر بين الطرفين ( مذكرات الإصلاحات، التناوب الفاشل سنة 1993)، شجع على إصدار صحف مستقلة تنأى بنفسها عن السلطتين الملكية أو الحزبية، وتضع حجر الأساس لتدخل سلطة جديدة: السلطة الاقتصادية أو المالية.
فبعد "المستقل" و"مغرب اليوم" (صحيفة أسبوعية) ، جاءت "الأحداث المغربية" ثم الصباح و"الصحيفة" و"الأيام" وle journal وغيرها كثير. وكلها صحف أو مجلات "وظفت" صحافيين ومحررين وفنيين كان عليهم أن يضعوا قواعد جديدة للممارسة الصحافية المغربية، في أفق بسط هيمنتهم/ها على الحقل برمته. وهذا ما أستطيع القول بتحقيقه فعليا حيث بدأ "الجسم" الصحافي المغربي يصدر إشارات استقلاليته أو على الأقل رغبته في تحققها بشكل كامل وغير قابل للتراجع. ويمكن التدليل على ذلك من خلال:
- رفض/ انتقاد/ إدانة المحاكمات والعقوبات السالبة لحرية الصحافيين وللغرامات المبالغ فيها( مواقف النقابة وإجماع الجرائد و المجلات)؛
- إصدار إشارات/ رسائل التوحد خلف الصحافيين الذين تعرضوا للترهيب أو الاستجواب، من دون احترام المساطر الجاري بها العمل، وبشكل مخل بالكرامة وبالوضع الاعتباري للصحافي المهني ( ما حصل لمفتاح و مكريم "بالأيام" نموذجا)؛
- تشكيل قوة ضغط لإصدار قانون جديد للصحافة بالشكل الذي يستجيب لمطالب "الجسم الصحافي" وبالتالي يضع قواعد جديدة للعلاقة بين الصحافة/ الصحافيين والسلطة التنفيذية والقضائية. وهذا ما سيشكل رهانا جماعيا ينبغي كسبه لاحقا؛
- تحقيق الصحافة المستقلة للصدارة على مستوى مبيعات الصحف الوطنية بشكل حطم كل الأرقام القياسية المسجلة. ويلاحظ وجود "تناوب" على الرتبة الأولى بين صحف مستقلة أساسية في قمتها "الأحداث المغربية" و"الصباح" و"المساء" وهذا ما أفرز سلطتها على الرأي العام الوطني حيث شاركت بقوة في تشكيله وتكوينه وزرع مفاهيم ومقولات مجتمعية جديدة (الحداثة، الديموقراطية، المواطنة، سلطة القانون..)؛
- انتقال "النجومية" و الهيمنة داخل الحقل من "صحافيين حزبيين" (غلاب، السحيمي،المرحوم القرشاوي،الأشعري،المرحوم باهي...) إلى صحافيين ومدراء مستقلين عن الأحزاب في جرائدهم(البريني،مفتاح،الجامعي-الأب والابن، المرابط،العلوي-صاحب الأسبوع، نيني ، مكريم...)؛
- الانتقال من إنتاج خطاب حزبي ضيق إلى خطاب صحافي يستجيب لبعض القواعد المهنية وبخط تحريري مستقل نسبيا عن السلطتين السياسية والمالية.من ثمة، أصبحت للفاعلين الصحافيين رؤوس أموال رمزية و مبادئ وأدبيات منظمة وحاكمة للممارسات و السلوكيات، وان كانت تختلف أحيانا باختلاف المنابر أو تنعدم في منابر مسخرة للدعاية أو المس بالأشخاص أو الاتجار وتقديم خدمات مدفوعة الأجر.
ولا بد من التأكيد على تغيير الوضع الاعتباري للمراسلين والصحافيين العاملين في المكاتب الجهوية والمحلية.كانوا في السبعينيات والثمانينيات أساتذة ومعلمين مناضلين في الأحزاب، و صاروا اليوم في الصحف المستقلة صحافيين مهنيين ينظم تشغيلهم بمباريات معلن عنها و يستفيدون من التكوين.كما لا تفوتني الإشارة إلى الصحافة الالكترونية والصحافيين الالكترونيين الذين عقدوا المؤتمر التأسيسي لرابطتهم مؤخرا..
إجهاض الاستقلالية؟
غير أن هذه التحولات العميقة والهادئة في الحقل الصحافي المغربي تواجه برغبة "غريبة" وغير مبررة من طرف الدولة مجسدة في سلطتها الأمنية والقضائية لإفشال هذه الاستقلالية التي ستفضي في النهاية إلى تشكيل حقل صحافي وطني خاضع لقواعد مهنية داخلية متعارف عليها. والملاحظ أن هناك تشكيك فعلي في إرادة الدولة في حصول "قبيلة" الصحافيين على سلطتهم الفعلية، مقابل الرغبة الواعية أو اللاواعية في أن تبقى للدولة الكلمة الفصل دائما من خلال الاحتفاظ بهامش المناورة وإقبار أي محاولة لتشكيل سلطة صحافية موازية للسلطات التنفيذية والقضائية والتشريعية.
وقد سجلت النقابة لوطنية للصحافة المغربية في التقرير السنوي حول حرية الصحافة والإعلام في المغـرب 3 ماي 2008 – 3 ماي 2009 ،" أن ممارسة حرية الصحافة والإعلام، لم تعرف تغييرا جوهريا مقارنة مع السنوات السابقة، حيث ظلت نفس المعطيات القانونية والسياسية تتحكم فيها، كما استمرت نفس المنهجيات العمومية في التعامل مع المشهد الإعلامي. "
وما يمكن تأكيده في هذا السياق- يضيف التقرير- "هو أن الهاجس الأول لدى السلطة السياسية ظل باستمرار، هو ضبط ومراقبة ممارسة الصحافة والإعلام، وذلك من خلال تحكمها في عدة أدوات، من أهمها القضاء والتدخلات الأمنية و توجيه الاشهار والهيمنة على وسائل الإعلام العمومية...". ولأمر ما تبرز حساسية بعض أجهزة الدولة ورد فعلها العنيف عندما تقترب الصحافة المكتوبة المستقلة من "محرمات" الجيش والدين والجنس والحياة/ الصور الخاصة للعائلة الملكية. وبعبارة أخرى، تريد "الدولة" أن تتحكم في أجندة الصحافة والصحافيين، ولا ترغب على الإطلاق أن تكون "ضحية" للأجندات الخاصة للمهنيين. فهي من يضع خطوط وقواعد اللعب بالشكل الذي يساهم في تحقيق أهدافها السياسية أو المجتمعية أو الاقتصادية.
في هذا السياق، يمكن فهم حيرة واضعي التقرير المذكور حيث تجنبوا فيه على حد قولهم"تقديم وصف قاطع لوضعية حرية الصحافة في المغرب، لكوننا نلاحظ، من جهة، اتساع رقعة حرية التعبير بسبب التطور الحاصل وطنيا و دوليا ، والتضييق عليها، من جهة أخرى، من حين لآخر، بسبب الهشاشة التي أشرنا إليها، والتي تعني أن السلطة السياسية، مازالت قادرة على التحكم في نبض ممارسة حرية الصحافة والإعلام في بلادنا، بالشكل الذي تراه ملائما ومنسجما مع توجهاتها"(النص الكامل للتقرير في موقع النقابة على الانترنت).وهنا مكمن شعرة معاوية الفاصلة بين السلطة السياسية والسلطة الإعلامية. هنا مربط فرس استقلالية الحقل الصحافي.
كما يجب ألا يغيب عن البال أن إنشاء مقاولات صحافية لا يعني " قطع الواد"، ما دامت السلطة المالية قد حلت في الكثير من الحالات المغربية محل السلطة السياسية.و هذا ما يجعل الصحافيين في الكثير من الحالات أجراء عند مقاولين غير صحافيين..ولا تخفى الآثار السلبية" لبلقنة" الصحافة المكتوبة وعدم احترام أخلاقيات المهنة والخصومات الداخلية بين الصحافيين المغاربة التي تسود (بضم التاء وفتح السين) بها صفحات الجرائد التي يعملون بها أو يساهمون في رأسمالها. إنها تزيد من تشتت الفاعلين الصحافيين و تساهم في شغلهم عن أهدافهم المهنية( الصحافية) و السوسيومهنية (الخاصة بأصحاب المهنة) حتى يكاد الصحافي المغربي يكون عدوا لأخيه الصحافي عوض البحث والكشف عن الأعداء الحقيقيين الذين تستهويهم التفرقة و الملاسنات الداخلية.وهذا ما يترك للسلطتين السياسية والمالية هامشا كبيرا للمناورة و إحكام القبضة على الحقل الذي يسير في طريق التشكل.
كما أشير إلى ولوج أعداد كبيرة من خريجي معاهد الصحافة وكليات الآداب و الحقوق ومدارس التدبير والتجارة للحقل، مما سيعيد النظر عاجلا أو آجلا في مسالة الهيمنة والاعتراف و"رسوم" الانتماء له. و هذا ما يظهر أثره جليا في بروز الصحافة الالكترونية و اتساع مشهد الصحافة السمعية البصرية بفضل الإذاعات الخاصة والقنوات التلفزيونية المرتقب الترخيص لها لاحقا، فضلا عن التوالد المثير لشركات الإنتاج السمعي البصري التي صارت تتحكم في مساحات ضافية من البث التلفزيوني العمومي، فيما غادر عدد من الصحافيين و الصحافيات دار البريهي "طوعا" ، أو تهدر طاقات من لم يتقاعد بعد في ما لا يسمن و لا يغني من جوع تلفزيوني.
هذه مجرد رؤوس أقلام أتمنى ألا تكون متسرعة أو اختزالية. وهي دعوة مفتوحة إلى الباحثين في علم الاجتماع و علم الاجتماع الإعلامي والتاريخ المغربي المعاصر للتفكير الجدي في الموضوع وتقديم مساهماتهم أو تحيينها معززة بمؤشرات وأرقام حول خريطة الحقل الصحافي،وذلك من أجل تطوير البحث العلمي في الصحافة المغربية مختلف أنواعها التقليدية أو الجديدة، وتزويد الصحافيين المغاربة بمفاهيم
وأدوات رصينة لمناقشة قضاياهم وآفاق وضعهم الاعتباري داخل المجتمع المغربي
عن الجريدة الالكترونية هيسبريس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق